علي الهجويري
125
كشف المحجوب
وقد جعلني هذا المنام أستبشر بالخير لي ولبلدى ، كما أدركت أن أبا حنيفة أحد الذين فنوا عن أوصاف الطبع ، وبقول في أحكام الشريعة ؛ ويظهر ذلك من حمل رسول اللّه له وإن كان قد ذهب فهو باقي الصفة ، وباقي الصفة إما مخطئ أو مصيب ، وما دام محمولا من الرسول فهو فانى الصفة ببقاء صفة الرسول ، وما دام لا يجرى خطأ على الرسول ؛ فلا يجرى على من هو قائم به وهذا رمز اللطف . عندما تعلم داود الطائي العلم ، وأصبح حجة فيه ، ذهب إلى أبي حنيفة وقال له : « ما ذا أفعل الآن ؟ » فأجابه أبو حنيفة : « عليك بالعمل ، فإن العلم بلا عمل كالجسد بلا روح » ذلك أن من يقنع بالعلم وحده غير عالم ، بل العالم الحقيقي هو من لا يقنع بالعلم دون العمل . وكذلك الهداية الإلهية فهي تقتضى المجاهدة ، التي بدونها لا يمكن الوصول إلى المشاهدة ؛ فليس هناك علم بغير عمل ، إذ أن العلم من نتائج العمل ولا يظهر وينمو ويثمر إلا ببركة العمل ، فلا يمكن الفصل بينهما على أية صورة كما لا يمكن فصل ضوء الشمس عن الشمس نفسها . وفي بداية الكتاب أوردنا بابا مختصرا عن العلم . 7 - ومنهم سيد الزهاد وقائد الأوتاد ، عبد اللّه بن المبارك المروزي ، من كبار القوم ، كان عالما بجملة الأحوال ، وأسباب الطريقة والشريعة ، وكان إمام عصره وقد أدرك عددا من كبار الأئمة ، وتحدث معهم وأدرك الإمام الأعظم أبا حنيفة ، وأخذ عنه العلم ، وله مؤلفات شهيرة ، وكرامات معروفة . وكانت توبته على النحو التالي : أنه كان قد افتتن بفتاة ، وفي ليلة من ليالي الشتاء قام بين السكارى ، ووقف أسفل بيتها ، ووقفت هي بسطح بيتها ، وظلا يتناجيان حتى الفجر ، وعندما سمع عبد اللّه أذان الفجر ظن أن الوقت قد حان لأذان العشاء ، ولم يدرك أنه قد قضى الليل في مناجاة محبوبته إلا عندما أشرقت الشمس ، فاعتبر بذلك وقال لنفسه : « عار عليك يا ابن مبارك !